بدا مدخل درب بير هولو بريئًا. فتحة ضيقة بين أشجار شاهقة، أرض مغطاة بأوراق الشجر المتساقطة، وهواء الصباح المنعش. لم يكن هناك ما يوحي بخطر محدق للناظر من الخارج. لكن جاكوب غريفز كان يعلم أن هذا الدرب لا يرحم. فقد نشأ وهو يسمع قصصًا عن أناسٍ بالغوا في توغلهم، ووثقوا ثقة عمياء، ولم يعودوا كما كانوا – إن عادوا أصلًا.

أما ليام كارتر، فكان متحمسًا للغاية. عدّل كاميرته، وعلّق على الرطوبة المثالية لنمو الفطريات النادرة، ودوّن ملاحظات ذهنية عن آثار الحيوانات في التربة. بالنسبة له، كانت هذه الرحلة الاستكشافية امتدادًا طبيعيًا لعمله كعالم أحياء. لم تكن فكرة توثيق دب أسود داكن اللون مثيرة للاهتمام من الناحية العلمية فحسب، بل من الناحية الشخصية أيضًا. كان ليام قد كتب في مدونته أن بعض الأساطير موجودة لأن أحدًا لم يقترب بما يكفي لتأكيدها أو نفيها.

تقدم يعقوب بضع خطوات. كانت حركاته مقتصدة، تكاد تكون صامتة. لم يتحدث كثيرًا، لكنه كان يراقب كل شيء. أغصان مكسورة على ارتفاع معين، آثار شبه خفية على الحجارة، طريقة هبوب الرياح عبر الوديان. كان يعرف جبال أوزارك كما لو كانت كائنًا حيًا، شيئًا يتفاعل مع وجود الإنسان. وفي ذلك اليوم، كما سيخبر معارفه لاحقًا، بدت الغابة “مغلقة”.

في منتصف الصباح تقريبًا، انقطعت إشارة الهاتف تمامًا. لم يُفاجئ هذا أيًا منهما. كانت الخطة بسيطة: التقدم على طول المسار الرئيسي، وإقامة مخيم خفيف قبل حلول الظلام، وعند فجر اليوم التالي، التوغل أكثر في منطقة زعم الصيادون أنهم رأوا فيها الدب. يومان، ثلاثة على الأكثر. مع توفر ما يكفي من الطعام والمعدات والخبرة، لم يكن هناك ما يدعو للقلق.
لكن في الساعات الأولى، بدأت الأمور تسوء. بدا المسار، المرسوم على الخرائط القديمة، وكأنه يتغير شكله. ظهرت منعطفات غير متوقعة بين الأشجار. أجزاءٌ كان من المفترض أن تنحدر بلطف، بحسب جاكوب، أصبحت الآن شديدة الانحدار. توقف جاكوب أكثر من مرة ليسترشد بالشمس، عابسًا. لاحظ ليام ذلك، لكنه لم يُلحّ. كان يثق بصديقه.
في منتصف النهار، ازداد الصمت ثقلاً. لم يكن انعداماً للصوت، بل نوعاً من الكتم. بالكاد يُسمع حفيف الحشرات. لم تُغرّد الطيور. حتى الريح بدت هادئة. علّق ليام على ذلك عرضاً، بدافع الفضول العلمي تقريباً. ردّ جاكوب بإيماءة قصيرة، طالباً الصمت.
قرروا أخذ استراحة قرب نتوء صخري. وبينما كانوا يتناولون الطعام، صوّر ليام المنطقة المحيطة، معلقًا على التفاصيل أمام الكاميرا. تحدث عن جيولوجيا المنطقة، وعن كثافة الغطاء النباتي غير المعتادة. وفي لحظة ما، ذكر أنه شمّ رائحة معدنية خفيفة في الهواء، لم يستطع تحديد مصدرها. نظر جاكوب إلى الأعلى على الفور. قال إن هذه الرائحة تظهر قرب الكهوف العميقة أو المناطق قليلة التهوية. لم تكن علامة جيدة.
منذ تلك اللحظة، أصبح الطريق أكثر تعقيدًا. اختفت العلامات التي كان يعقوب يستخدمها كمرجع. سدّت الأشجار المتساقطة الممرات المألوفة. وفي أكثر من مناسبة، شعروا وكأنهم يمرون بالمكان نفسه مرتين، رغم أنهم كانوا يسيرون دائمًا في خط مستقيم. حاول ليام الحفاظ على نبرة عقلانية، مُشيرًا إلى التعب أو ضعف الإدراك. لكن القلق بدأ يتسلل إليهم.
مع حلول الظلام، لم يجدوا بعد مكانًا مناسبًا للتخييم. بدت الغابة أكثر كثافة، والأرض أكثر رطوبة. كل خطوة تتطلب جهدًا. توقف يعقوب فجأة وطلب من ليام إطفاء الكاميرا. قال إنهم مراقبون. ليس من قِبل حيوان معين، بل من قِبل الغابة نفسها. ضحك ليام بتوتر، لكنه امتثل.
بعد ذلك بوقت قصير، سمعوا شيئًا لم يستطيعوا تحديده. لم يكن زئيرًا ولا صراخًا. بدا كصوت منخفض متواصل، كاهتزاز بعيد قادم من باطن الأرض. شحب وجه يعقوب. تمتم قائلًا إنه لا ينبغي أن يكون هناك. وأنه ليس جزءًا من أي حيوان معروف. شعر ليام بقشعريرة مفاجئة، رغم الحرارة الخانقة.
حلّ الليل سريعًا. ولعدم وجود خيار أفضل، أقاموا مخيمًا مؤقتًا قرب سفح تل. كانت النار صغيرة، تكاد تكون رمزية. لم يكن أي منهم جائعًا. استمر الصوت الخافت، متقطعًا، كما لو أن شيئًا ما يتحرك تحت الأرض. حاول ليام تسجيل الصوت، لكن الجهاز لم يلتقط سوى ضوضاء غير واضحة.
في تلك الليلة، تحدث يعقوب لأول مرة عن المغادرة فورًا. قال إن شيئًا ما قد تغير في جبال أوزارك، شيء لم يكن موجودًا من قبل. حاول ليام أن يجادل، مذكّرًا إياهم بأنهم متعبون ومشتتون فحسب. لكن حتى هو شعر أن هذه الرحلة الاستكشافية لم تعد تتبع منطق نزهة علمية بسيطة.
قبل أن يخلد إلى النوم، دوّن ليام بضع ملاحظات سريعة في دفتره. علّق فيها على شعوره بالاغتراب، والصوت الغامض، وسلوك يعقوب الغريب، الذي ظل مستيقظًا، يحدّق بشرود في الظلام بين الأشجار. في لحظة ما، همس يعقوب بشيء يكاد لا يُسمع. لم يفهم ليام ما قاله، لكن بعد سنوات، ستتردد تلك الكلمات في أذنيه بشكلٍ مزعج.
في تلك الليلة الأولى، ظلوا يعتقدون أن الخطر الأكبر هو الضياع. لم يتخيل أي منهما أن الغابة، منذ تلك اللحظة، ستتوقف عن كونها مجرد خلفية، وستصبح عنصراً فاعلاً. شيء لا يحيط بهم فحسب، بل يبتلعهم تدريجياً.وبينما خفت حدة النار وبدا الصوت الجوفي وكأنه يقترب، أحاطت جبال أوزاركس بهم في صمت، كما لو أنها لم تسمح للزوار قط.
كان الصباح الباكر متقطعًا. لم ينم أي منهما نومًا عميقًا. انطفأت النار تمامًا قبل منتصف الليل، ومعها تبدد أي شعور بالأمان. ظلام أوزاركس ليس مجرد غياب للضوء، بل هو حضورٌ كثيف، يلتصق بالجلد، وكأنه يتقدم مع كل نفس. أدرك ليام ذلك عندما فتح عينيه ولم يستطع التمييز بين نهاية جسده وبداية الليل.
استمر الصوت القادم من باطن الأرض. بدا أحيانًا بعيدًا، يكاد يكون وهميًا. وفي أحيان أخرى، كان يهتز تحت الأرض، قريبًا جدًا لدرجة أنه أوحى بأن الأرض تتنفس. بقي يعقوب جالسًا، ظهره إلى شجرة، ممسكًا بالبندقية دون أن يوجهها إلى أي مكان. تحركت عيناه ببطء، تتبع شيئًا لم يستطع ليام رؤيته.